سنةٌ كاملةٌ من عُمُرِ الإنسان قد طويت، وصحيفةُ عامٍ كامل قد ملئت، ووضعت في رِقٍ، ثم خُتِم وطُبِع، فلن يُكسر إلاّ يومَ القيامة.
كلُّ المخلوقات تنتهي أعمارها، وتُطوى آجالها، وتُمزَّق صحائفها، إلا الإنسان فإنه يبقى متبوعًا بعد رحيله، موقوفًا للجزاء والحساب.
كم آيةً من القرآن حفِظتَها، وعرفتَ تفسيرها، واستمعت إلى كلام أهل العلم فيها، وكم حديثًا عن نبينا صلى الله عليه وسلم قرأته، وشُرِحَ لك معناه، وما فيه من الفقه، وكم قرأت من أحكام الحلال والحرام، وكم قرأت من علم العرب وآدابهم، مما فيه عون على فهم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، كم بحثًا بحثته، وكم ورقةً كتبتها، كم ساعةً جلستها في الدرس والبحث، بل كم من الأيام قضيتها في الذهاب والإياب، والجلوس والاستماع، والقراءة والحفظ؟!
فبالله الذي لا إله غيره، ماذا أردت بكل ذلك، ومن أردت؟! هل أردت الله والدار الآخرة؟ هل أردت رفع الجهل عن نفسك وأهلِك؟ هل كان آخرُ عهدك بالآية آخرَ قطرةٍ من الحبر وضعتها على ورقة الاختبار؟ وهل كان آخرُ عهدك بالحديث والفقه والنحو والأدب حين حَصَلت على شهادة تأكل بها؟
إن كنت قد نسيت علمَك والوقت الذي أنفقته فيه، فهو عند الله لم يُنس، وضع في صحائف الأعمال، وقد كتب عليه ما قصده صاحبه، ومن أريد به.
قال صلى الله عليه وسلم : ((القرآن حجة لك أو عليك))، وقال تعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً (82)} [سورة الإسراء 17/82].
قال بعض السلف: ما جالس أحدٌ القرآن فقام عنه سالمًا؛ بل إما أن يربح، أو أن يخسر، ثم تلا هذه الآية.
وقال أبو موسى الأشعري: إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبِعوا القرآن، ولا يتبِعُكُم القرآن؛ فإنه من اتَّبعَ القرآنَ هَبَطَ به على رياض الجنة، ومن اتبعه القرآن زَخَّ في قفاه فقذفه في النار.
وكم أتعب مدرس نفسه، واستعد لدرسه، وإفهام طلابه، فكم من الساعات قضينا في إعداد الدروس وإلقائها، وكتابة الأسئلة وتصحيحها؛ فأين هي الآن؟ وهل كانت لنا أو علينا؟
وكم جلس إداري خلف مكتبه، وأنجز من الأعمال، وكتب من الأوراق، فماذا أراد، ومن أراد؟
هل حظنا من علمنا وأعمالنا مال نأخذه؟ أو جاه ندركه؟ أو صيت نرتفع به؟
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه)).
بين الحياة والموت
عامٌ تولى و انصرم، بين مولود ومفقود، وباك وضاحك، كم استبشرنا فيه بمولود فرح به أهله وأقاربه، فمن مهنٍ ومن مهدي، ملأ عليهم بيتهم، وغمرهم بالفرحة والأنس، فهم به فرحون، وعليه خائفون، وبتربيته قائمون.
وكم ودعنا فيه من أحبة، و فقدنا فيه من أعزة، أسلمناهم إلى الردى والبِلى، وتركناهم في مكان موحش مظلم، ووالله كما ودَّعنا فسوف نُودَّعْ، وكما بكينا فسوف يُبكى علينا، وكما حَمَلْنا فسوف نُحمَل، وكما تَركنا أحبتنا فسيتركوننا.
أتيتُ القبورَ فناديتُها ... أين المعظَّمُ والمحتقر!
تفانوا جميعا فما مخبرٌ ... وماتوا جميعا ومات الخبر
قال عمر بن عبد العزيز: إن الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله على أهلها منها الظَّعَن- أي التحول والانتقال، والسير منها إلى غيرها-، فكم من عامرٍ موثَّقٍ عما قليل يْخرَبُ، وكم من مُقيمٍ مغتبِطٍ عما قليل يظْعَنُ؛ فأحسنوا رحمكم الله منها الرِّحَلة بأحسنِ ما بِحَضْرَتِكُم من النُّقْلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.
أهذه هي الدنيا؟!! قد فضحها والله الموت؛ فأي هناء فيها ليس الموت مفسده، وأي نعيم فيها ليس الموت قاطعه؟!
فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنها *** منازلُكَ الأولى، وفيها الْمُخيَّم
ولكننا سبْيُّ العدوِّ؛ فهل تَرى *** نعودُ إلى أوطانِنا ونسلمُ؟!
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأَى *** وشطَّتْ به أوطانُهُ فهو مُغْرمُ
وأيُّ اغترابٍ فوقَ غُربتِنا التي *** لها أضحتِ الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ
المصدر: .:: منتديات أنت مسلم ::.lqn uNNl lk Hulhvkh !!




رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)